الحلبي
242
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أقول : كان قائله سرى إليه ذلك من كونه صلى اللّه عليه وسلم جمع بني لحيان في الدعاء عليهم مع من ذكر قبله . وسيأتي أنه إنما جمعهم معهم لأن خبر أصحاب الرجيع وأصحاب بئر معونة جاءه صلى اللّه عليه وسلم في يوم واحد وبنو لحيان أصحاب الرجيع ، فدعا عليهم دعاء واحدا ، واللّه أعلم ، فلما دعا تلك القبائل الثلاثة التي هي عصية ورعل وذكوان أجابوه إلى ذلك ، ثم خرجوا حتى أحاطوا بهم في رحالهم ، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم فقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم إلا كعب بن زيد رضي اللّه تعالى عنه ، فإنه بقي به رمق ، وحمل من المعركة ، فعاش بعد ذلك حتى قتل يوم الخندق شهيدا ، وإلا عمرو بن أمية الضمري رضي اللّه تعالى عنه ورجلا آخر كانا في سرح القوم ، لما أحاطوا بهم قالوا : اللهم إنا لا نجد من يبلغ رسولك عنا السلام غيرك ، فأقرأه منا السلام ، فأخبره جبريل عليه الصلاة والسلام بذلك ، فقال : وعليهم السلام . أي وفي لفظ أنهم قالوا : اللهم بلغ عنا نبينا صلى اللّه عليه وسلم أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا فلما جاءه الخبر من السماء قام صلى اللّه عليه وسلم فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : إن إخوانكم قد لقوا المشركين ، وقتلوهم ، وإنهم قالوا : ربنا بلغ قومنا أنا قد لقينا ربنا ورضينا عنه ورضي عنا ربنا . وفي لفظ : فرضي عنا وأرضانا فأنا رسولهم إليكم إنهم قد رضوا عنه ورضي عنهم . وذكر أنس رضي اللّه عنه أن ذلك : أي قولهم المذكور كان قرآنا يتلى ، ثم نسخت تلاوته ، أي فصار ليس له حكم القرآن من التعبد بتلاوته وأنه لا يمسه إلا الطاهر ولا يتلى في صلاة إلى غير ذلك من أحكام القرآن . ولما رأى عمرو بن أمية والرجل الذي معه الطير تحوم على محل أصحابهما ، أي وكانا في رعاية إبل القوم كما تقدم ، قالا واللّه إن لهذا الطير لشأنا ، فأقبلا ينظران ، فإذا القوم في دمائهم ، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة ، فقال الرجل الذي مع عمرو : ما ذا ترى ؟ فقال : أرى أن نلحق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنخبره الخبر ، فقال له لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، فأقبلا فلقيا القوم ، فقتل ذلك الرجل وأسر عمرو ، فأخبرهم أنه من مضر . فأخذه عامر بن الطفيل وجز ناصيته . وأعتقه عن رقبة كانت على أمه . فخرج عمرو حتى جاء إلى ظل فجلس فيه . فأقبل رجلان حتى نزلا به معه ، فسألهما فأخبراه أنهما من بني عامر ، وفي لفظ من بني سليم وكان معهما عهد من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يعلم به عمرو . فأمهلهما حتى ناما فعدا عليهما فقتلهما وهو يرى أي يظن أنه قد أصاب بهما ثأرا من بني عامر ، فلما قدم عمرو على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخبره الخبر وأخبره بقتل الرجلين ، فقال له : لقد قتلت قتيلين لأدينهما : أي لأدفعن ديتهما . ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هذا عمل أبي براء . قد كنت لهذا كارها متخوفا . ولما بلغ أبا براء أن عامر بن الطفيل ولد أخيه